أحزان المسيح

مَاذَا أَقُولُ: أَيُّهَا الآبُ نَجِّنِي مِنْ هَذِهِ السَّاعَةِ؟ وَلَكِنْ لأَجْلِ هَذَا أَتَيْتُ إِلَى هَذِهِ السَّاعَةِ ( يوحنا 12: 27 )

هناك نوع من الألم والحزن تعرَّض له ربنا المبارك خلال حياته هنا، وقد أُعلِنَ لنا لكي نرى ناحية من نواحي كمالاته؛ وهي بركة الخضوع لمشيئة الآب. وهذا الحزن كان بسبب توقعه قدوم الساعة المُعيَّنة لآلام الصليب، بكل ما فيها من أهوال ودينونة، حتى الموت. والكتاب المقدس يُرينا حالتين أظهر فيهما الرب يسوع هذا الحزن. الأولى عندما تكلَّم إلى تلاميذه قائلاً: «الآن نفسي قد اضطربت. وماذا أقول: أيها الآب نجِّني من هذه الساعة؟ ولكن لأجل هذا أتيتُ إلى هذه الساعة». لا شك أن إقبال اليونانيين، الذين هم من الأُمم، هو الذي أتى أمام فكر الرب بالمجد الرائع الخاص بابن الإنسان، وبالكلام عن حَبَّة الحِنطة التي كان يجب أن تقع في الأرض وتَمُت.

أما الحالة الثانية فكانت في جثسيماني عندما اقترب أكثر إلى الصليب وكان رئيس هذا العالم مزمعًا أن يأتي بكل قوات الظلمة في مواجهته. لقد سبق للمُجرِّب أن أتى إليه عند بدء خدمته العلَنية، وجرَّبه في البرية بالأشياء التي يشتهيها الإنسان، وأحبَط الرب خططه. ثم نراه يرجع إلى الرب مرةً أخرى، ليُجرِّبه ليس بكل ما هو مرغوب للنفس، بل بكل ما تكرهه نفس الإنسان، فكم بالحري الرب! لقد كانت الكأس ملآنة، لم يكن ليأخذها إلا من يد الآب فقط، الذي كانت مشيئته أنه يشربها. لقد وصل حزنه إلى تمامه.

وفي كِلتا الحالتين نجده في فكر واحد مع الآب، عن الكأس المُزمع أن يشربها، وتلمع طاعته في كمالها. لم يكن هناك قد تُرِكَ من الله بعد، ولكن كانت هناك معاملات مع الآب عن تلك الكأس التي كان عليه أن يشربها.

وفي الحالة الأولى (يو12)، يطلب من الآب أن يُمجِّد اسمه، ولقد جاءه صوتٌ من السماء: «مجَّدت، وأُمجِّد أيضًا!». لقد كان هذا جوابًا على الطاعة، وإعلانًا عن المحبة إلى أوسع مدى.

أما في جثسيماني (يو18)، فقد كانت هناك قوة الظلمة في مواجهة قوة الرب، وكان هناك جهاد عميق من الرب في كلمات قليلة ولكنها قوية، وكان عرقه ينزل كقطرات الدم، ولكن الطاعة كانت كاملة، لقد فشل المُجرِّب كُليةً. لقد قدَّم نفسه طواعيةً ليشرب الكأس ليتم القول الذي قاله: «الذين أعطيتني ... لم يهلك منهم أحدٌ» (
يو 17: 12 )، «الكأس التي أعطاني الآب ألا أشربها؟» ( يو 18: 11 ). يا له من منظر رائع عن الطاعة والمحبة!





داربي