أعطى تلاميذه ليُقدِّموا

أَعْطَى تَلاَمِيذَهُ لِيُقَدِّمُوا إِلَيْهِمْ ... فَأَكَلَ الْجَمِيعُ وَشَبِعُوا (
مرقس 6: 41 ، 42)

نستطيع أن نتصوَّر ما غمر التلاميذ من أحاسيس وهم يبدأون مهمة توزيع الخمسة الأرغفة والسمكتين، التي كانوا قد أشاروا إليها من قبل في استخفاف واستهانة. تُرى – مثلاً - ماذا كانت مشاعر بطرس وهو يتناول - في رهبة صامتة - من يد المُخلِّص الكريم ذلك الجزء الصغير من الخبز الذي كان عتيدًا أن يُشبِع مئات الجائعين؟ لا ريب في أنها كانت مشاعر الدهشة والرهبة والتعبُّد، حين أخذ بدوره يناول هذا قطعة من الخبز والسمك، وذاك قطعة أخرى، قطعة لرجل وأخرى لإمرأة، وثالثة لولد ضعيف مُتعَب، حتى امتلأ كل فم، ومع ذلك بقيَ مستودع البركة غير منقوص إلى آخر المطاف، وبعد أن «أكلَ الجميع وشبعوا»، فضل ما يربو كثيرًا على ما كان بيدهم أول الأمر!

هذه معرفة جديدة بشخصه الكريم المجيد، تنفعهم لخدمة المستقبل أعطاها الرب لتلاميذه. صحيح أن الانطباعة لم تكن يومئذٍ عميقة في نفوسهم، إذ بعدها بوقتٍ غير طويل إذ دُعوا لإطعام الجموع مرةً أخرى، أظهروا أنفسهم على غير مستوى الموقف. ولكن بعدما ألبسهم الروح القدس قوة من الأعالي، عادَت إلى أذهانهم تلك المشاهد العظيمة وهم يتجوَّلون في خدمة ذاك الذي «هو هو أمسًا واليوم وإلى الأبد» والذي «دُفِعَ إليه كل سلطان في السماء وعلى الأرض».

وقد سجَّل الروح القدس هذا جميعه لتشجيعنا وتعليمنا. فبوصفنا عبيدًا لسيدنا، لنا أن نستمد كل شيء من الرب يسوع الجالس الآن في يمين الله «رأسًا فوق كل شيء للكنيسة، التي هي جسدُهُ»؛ جسد ذاك الذي «سبى سبيًا وأعطى الناس عطايا»، لبركة نفوسهم وبُنيان جسد المسيح.

وإنما القُرب الوثيق من المسيح، في مكان رِفعته الحاضر، هو الذي يبارك هذه الدروس لنفوسنا حتى يتسنى لنا عمليًا أن نكون نافعين في تسديد حاجة الخطاة، وإطعام كنيسة الله، وإذ قد ذُقنا رحمته لنفوسنا، فإن هذا يحفظنا بعيدًا عن الإعياء من الخدمة الموكولة لنا، وفوق الكل ينبغي أن ننصرف عن ذواتنا بالتمام، إلى ذاك الذي لا يزال يقول: «ها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر». فيه كل نعمة، فيه كل قوة، وبقدر ما تشتد الحاجة وتقسو الظروف، بهذا القدر عينه تكون الفرصة للرب لمواجهة مطالب شعبه على الرغم من كل صعوبة. ويعوزنا كعبيد خاضعين له أن نكون على صِلة حية وثابتة بقلبه المحب السخي الذي يتجه بالعطف نحو المحتاجين، وبيدهِ الكريمة التي قوتها ومواردها لا تعرف حدودًا وقيودًا.






بللت