برزلاي الجلعادي

وهو عال الملك..لأنه كان رجلاً عظيماً جداً (2 صم 19: 32)

ما ذكره الوحي عن هذه الشخصية المباركة يعطينا صورة جميلة، وإن كانت موجزة، لرجل عاش في أيام داود، وكان واحداً من ثلاثة أفاضل قدموا له، وللشعب الذي معه، خيراً جزيلاً، وهو مُطارد من وجه أبشالوم ابنه (2صم17: 27-29). لقد كانت عين إيمان برزلاي ترى في داود المُطارد والمرفوض من كثيرين « مسيح الرب »، فارتبط به وقت رفضه. وهي صورة جميلة لكل مَنْ يرتبط اليوم بربنا يسوع المسيح في زمان رفضه ويخدمه حتى يجيء وقت سيادته العلَنية على الكل.

ورغماً عن تقدم برزلاي في العمر، إلا أنه نزل من روجليم وعبر الأردن مع الملك ليودعه. لقد خدم برزلاي داود في البداية عندما عاله عند إقامته في محنايم، غير عابئ بما يمكن أن يفعله أبشالوم به لو طالت يده داود المُطارد . وهنا نجده يودعه بنفسه غير عابئ بمتاعب السن المتقدمة في سبيل الخدمة؛ نظير بولس الذي لم يكن يحتسب لشيء، ولا نفسه ثمينة عنده حتى يتمم بفرح سعيه (أع20: 24)، يُنفِق ويُنفَق في سبيل الخدمة. لقد أنفق برزلاي في محنايم، وها هو يُنفَق عند الأردن!

كما أنه عندما خدم لم يخدم انتظاراً لمكافأة، فعندما دعاه الملك داود بنفسه ليعوله معه في أورشليم رداً للمعروف الذي سبق وأن قام به برزلاي من نحوه، نجد برزلاي زاهداً في المكافأة حقاً لا تظاهراً، ونجده يعتذر عن مكافآت الزمان بنفس راضية وقانعة وشاكرة (2صم19: 31-39)، بل وفوق ذلك نراه يقدم الآخرين عن نفسه، إذ اقترح على داود أن يعبر معه « كمهام » عوضاً عن نفسه. وما أجمل أن نقدم بعضنا بعضاً في الكرامة (رو12: 10) وأن نحسب بعضنا البعض أفضل من أنفسهم (في2: 3). إنها خصال عهد النعمة التي يُظهرها مَنْ لهم شركة عميقة مع الرب.

على أن المكافأة لا بد وأن تأتي، فنقرأ في كلمات داود الأخيرة وصيته لابنه سليمان وصية خاصة لبني برزلاي الجلعادي (1مل2: 7). وإن كان داود لا يمكن أن ينسى معروف برزلاي إليه، فكم بالحري رب داود الذي لا ينسى عملنا وتعب المحبة (عب6: 10) وحاشا له أن يبيت مديوناً لأحد ولو بكأس ماء بارد قُدّم باسمه (غل6: 9؛ 1كو15: 58). الكل لن يضيع أجره أبداً.



إسحق إيليا